فخر الدين الرازي
128
المطالب العالية من العلم الإلهي
معقول . فيثبت بهذا : أنه لم يبق عند العقل من لفظ الإرادة ، معنى يمكن إثباته في حق اللّه تعالى . فكان القول به باطلا . [ ثم ] « 1 » قالوا : لو كان العالم حادثا ، لوجب أن يقال : إنما حدث بقصد الفاعل وبإرادته « 2 » ، والتالي محال . فالمقدم مثله . بيان الشرطية : هو أن العالم لما كان مستمر العدم من الأزل إلى ذلك الوقت [ المعين ] « 3 » وذات الفاعل كانت موجودة من الأزل إلى ذلك الوقت المعين ، مع أنه في الأزل ما كان لتلك الذات أثر في خروج العالم من العدم إلى الوجود ، فلو حصل العالم في ذلك الوقت من غير أن يكون لذلك الفاعل قصد واختيار ، في إيقاعه . لكان وقوع العالم في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده : رجحانا لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح . وإنه محال . وبيان أنه يمتنع أن يكون حدوث العالم في ذلك الوقت المعين ، بسبب القصد والاختيار : وجوه : الحجة الأولى : إن ذلك القصد لو حصل ، لكان إما أن يكون قديما أو حادثا . والقسمان باطلان ، فالقول بوجود القصد : باطل . إنما قلنا أنه يمتنع كونه قديما ، لأن الإرادة القديمة ، لا معنى لها إلا أنه تعالى يريد في الأزل إحداث العالم في وقت معين لا يزال . وهذه الإرادة ليست [ هي « 4 » ] نفس القصد إلى إيقاع الفعل في ذلك الوقت المعين ، عند حضور ذلك الوقت المعين والدليل عليه وجوه : الأول : إن من عزم على أن يفعل بكرة الغد : فعلا معينا ، ثم جلس في بيت مظلم « 5 » لا يميز فيه بين النهار وبين الليل ، واستمر على ذلك الجلوس إلى أن دخل بكرة الغد ، مع أنه لا يعلم أن ذلك الوقت المعين قد حضر ، فإنه
--> ( 1 ) من ( ط ) ( 2 ) وإرادته ( ط ) ( 3 ) من ( ت ) ( 4 ) من ( ت ) ( 5 ) معين ( ط )